هل تكون ثالث إعلامية تكتب مذكراتها؟
سعاد قاروط العشي:
حتى لو كنت أحمل أسراراً لن تكون فضائح ولن أفصح عنها
لن نستغرب إن عرفنا مصادفة أن الإعلامية سعاد قاروط العشي تعكف على كتابة مذكّراتها، وخصوصاً لما تتضمنه سيرتها من محطات مضيئة تستحق التوقف عندها، بدءاً بعملها في الإذاعة اللبنانية، ومن ثم في تلفزيون لبنان على مدى 15 سنة، مروراً بفضائيات عدة كرّست فيها حضورها ولمعانها، انتهاء بحلولها عضواً في لجنة الحكم في "استديو الفن".
الشبكة: مذكرات سعاد قاروط العشي أخيراً بعنوان "مذيعة الفصول الأربعة". لفتني العنوان بقدر ما لفتني استعدادك للقيام بهذه الخطوة وفي هذا العمر المبكر؟
سعاد: الفكرة غير بعيدة وخصوصاً أنّ الدكتور فاروق الجمّال من قبل خمس سنوات يحدثني في هذا الموضوع ويبدي استعجاله له، ويقول أنه على استعداد لتدوين المذكرات من حيث موقعه كرفيق درب طويل واكب بشغف كل أعمالي الإذاعية والتلفزيونية. أنا أحترمه وأقدر تقديره لي ولعملي، ولست بعيدة عن الفكرة. قد تنفذ يوماً ما، لكن حالياً أنا أؤيّد فكرتك حين قلت أنني في عمر مبكر. لذا، أفضّل أن أصبر بعض السنوات لسبب، ربما كما أشعر، أنّ أمامي ما أضيفه إلى مسيرتي. فحرام هذه المذكرات أن تخلو من ختام عملي الإعلامي.
الشبكة: هل تنتظرين إشارات معيّنة لم تحققيها بعد في مسيرتك كي تقرري عدم الإستعجال؟ وبمَ تتمثل هذه الإشارات؟
سعاد: الإعلامي الطموح، وأنا طموحي لا تحدّه الجبال، وهو شاسع وذو أفق بعيد. صاحب هذه النظرة لا ينتظر شيئاً معيناً. عندي شعور داخلي أنه بإمكاني أن أعطي المزيد.
الشبكة: حين نتكلم بشيء اسمه مذكرات، يتبادر إلى ذهننا فوراً فضائح وأسرار وخبايا، وندرك أن مسيرتك ناصعة البياض. فماذا يمكن أن تطرحي من مواضيع مشوقة تثيرنا للإطلاع عليها؟
سعاد: حتى لو كنت أحمل من الأسرار، لن تكون هذه الأسرار فضائح، ولن أفصح عن هذه الأسرار. وانت تعرفين سعاد، وأشرت للتو إلى نصاعة اسمي وعملي. هذه مسيرة حياتي المهنية التي كانت مشرفة وأعتزّ بها وحملت الكثير من النجاحات التي تجعلني أتشجع لتدوينها. على فكرة ليس د. فاروق الجمال وحده مَن عرض عليّ الفكرة، بل دار نشر عريقة عرضت علي الفكرة عبر تقديمها
الكثير من الإغراءات كي أقبل، وهي مصرّة عليها. لكن أقول مجدداً لو لم يجد هؤلاء أن ثمة مادة دسمة تستحق الإضاءة عليها ومسيرة غنية، لما تلقيت كل هذه العروض. حين يحصل ذلك، وقد اموت قبل أن أدوّن، آمل أن يثير اهتمام القارىء كي يتعرّف إلى هذه المسيرة التي تزال منذ 1973 إلى اليوم مشرئبة وبنجاح وتطوّر مستمرين.
الشبكة: في حال دوّنت هذه المذكرات، أي رسالة أو عبرة يمكن أن يستخلص منها القارىء من خلال تجربتك؟
سعاد: لا تنسي أن تجربتي بدأت سنة 1973، ولم يمضِ سنتان على دخولي المضمار حتى وقعت حرب السنتين واستمرت. وأين كان عملي؟ في الأخبار، حيث الموقع الأكثر حساسية ودقة. تصوري كم من المصاعب والذكريات مررت بها.
الشبكة: هل تعرّضت للتهديد؟
سعاد: أكيد. في حرب السنتين زملائي وأنا تعرضنا كثيراً للتهديدات في قناة 7، وكان يوجد ما يسمى بالشرقية والغربية، أي حرب مناطقية، وكان التهديد متبادلاً بينهما، والمخاطر محدقة بالجميع. واجهت صعوبات كثيرة قبل أن أنجح في استرداد جمهوري الذي خسرته في حرب السنتين، وكانت أصعب مهمّة.
الشبكة: كيف استرددته؟
سعاد: تمكّنت من بناء جسور الثقة بيني وبينه. كيف يمكن أن أكون متفوقة ومتميزة؟ بقدرتي على التأثير في الجمهور وإقناعه بأنّ الغلطة لم تكن غلطتي، بل كانت أكبر منّي ومنهم. نحن فرض علينا التلوين، ونحن أولاد منطقة أجبرنا أن نكون فيها، ونحن أولاد محطة أجبرنا على حمايتها. كانت لدينا قناعات لكنّها لم تكن تصب يوماً من أجل حرب أهلية او مناطقية، ولا من أجل حرب طائفية. نجحت بالتأثير في جمهور اتخذ موقفاً منّي، واليوم باستطاعتي القول أن من كانوا يهددونني يحترمونني أكثر من غيرهم.
الشبكة: هل ستتضمن المذكّرات زاوية من حياتك الحميمية؟
سعاد: ليست لدي تجارب معينة، فقط تجارب بسيطة لبنت مدرسة، وهي أشياء لا تذكر...
الشبكة: الجانب العاطفي ألن يكون موجوداً؟
سعاد: صحيح لسبب أنني تركت المدرسة وانخرطت فوراً في الإذاعة، وأنا ابنة بيروت من عائلة محافظة، "ما صرلي روح وإجي وانخلط بالمجتمع. طلعت دغري على شغلي وتعرّفت على احمد العشي وبلّشت معه المسيرة..."
الشبكة: كان أول حب في حياتك؟
سعاد: كان أول رجل تجمعني به علاقة فيها أخذ وعطاء، تحولت فوراً إلى خطبة فزواج.
الشبكة: كم كنت تبلغين من العمر حين تزوجت؟
سعاد: 19 سنة. قد تشمل المذكرات ركناً مهمّاً عن الأسرة التي بنيتها والأسرة التي بنتني؛ عن أهلي وأخوتي وعائلتي زوجي وأولادي. هذه العائلة التي يمكنني اعتبارها مثالية 100 %، ونجحت أنا وزوجي كما نجح أهلي في بناء عائلة مثالية، وأنا فخورة بها فخري بالتوفيق بين بيتي وعملي .
الشبكة: 15 سنة بين الإذاعة وتلفزيون لبنان، اي محطة هي الأبرز بالنسبة إليك؟
سعاد: المحطات كثيرة وكذلك المواقف، لكن ما لا أنساه أول يوم أطللت فيه عبر أثير إذاعة لبنان، وكان يوم أحد عند الساعة الرابعة من بعد الظهر، في فقرة البث المباشر الذي كان يقدّمه وحيد جلال، حين قدّمني بالاسم ومهّد لإطلالتي الأولى. وحين سمعت اسمي بصوت وحيد جلال، وكان نجماً من نجوم الفن والإذاعة، انتابني فرح كبير. وحين جلست خلف المذياع بين اربعة جدران لوحدي، شعرت بأنني أحلّق في أفق بعيد لا حدود له، وأستمع إلى كل دقة من دقات قلبي. عشقت الميكروفون وعاشرته قبل أن اعاشر الكاميرا، لكن، للأسف، لم يستمرّ هذا الشغف بعدما خطفني التلفزيون وأغراني أكثر. الشهرة مغرية وخصوصاً إن كانت عبر الصوت والصورة.
الشبكة: ألم يخالجك يوماً وأنت بين الجدران الأربعة أنك في سجن؟
سعاد: أبداً، بل كنت أشعر كلما أطللت عبر الأثير أنني أغازل المستمع دون أن أراه، بل كنت أتخيّل مَن كان يستمع إليّ، وكان صوتي يساعدني إلى جانب لغتي السليمة وإلقائي وأدائي. وللمناسبة أنا لم أتخرّج في معهد، بل أنا مَن درّبت نفسي.
الشبكة: أي حقبة تعتبرينها ذهبية؟
سعاد: الفترة التي جمعت ما بين إذاعة لبنان وتلفزيون لبنان، وخصوصاً أن هذين الموقعين كانا يحتلان المرتبة الأولى وكانا مسموعين في ظلّ عدم وجود فضائيات.
الشبكة: العنوان المحتمل أن يتصدّر كتاب مذكراتك "مذيعة الفصول الأربعة". هل اقتنعت به لأنك واكبت أكثر من جيل؟
سعاد: د. فاروق الجمال انطلق بفكرته من خلفية عملي في إذاعة لبنان منذ سنة 1973، وما زلت إلى اليوم على الشاشة، وما زال لي معجبون ومتابعون من كل الأعمار والأجيال.
الشبكة: هل تعتبرين نفسك امرأة الفصول الأربعة أيضاً؟ تتماهين مع نفسك ومتصالحة معها؟
سعاد: 100 %. ما زلت أعيش الفصول الأربعة بكل تفاصيلها. أنا امرأة أعشق الحياة، الجمال، الفن، الحياء والخجل. أحب الشمس والقمر، الليل والنهار؛ أحب الطبيعة، ورومانسية حتى العظم. أشعر في قرارة نفسي، رغم تخطيّ سن الخمسين، أنني طفلة ما زالت في مقتبل عمرها. رغم كل البرامج التي قدمتها، وهي لا تعد ولا تحصى، أشعر بأنه ما زال لديّ الكثير لأقدمه.
الشبكة: أفهم أنك عشت سنوات عمرك والفصول كلها من دون تحديدها بعمر معيّن؟
سعاد: أصبت. كانت تمر أوقات أشعر فيها بأنني في ربيع العمر، واحياناً الصيف، وأوقات حزينة كالخريف وبردانة كالشتاء. وما زلت أعيشها حتى اليوم.